الهستدروت جهاز نقابى عمالى إستثمارى يهودى فى خدمة المشروع الصهيونى ؟

جاء هذا العنوان لكتاب ضمن سلسلة كراسات عمالية التى يصدرها المعهد العربى للدراسات العمالية بدمشق  للكاتب والباحث محمد رشاد الشريف والذى اكد فى دراسته أن  الصهيونيه كحركه سياسيه ذرائعيه خبيثه، لم تترك وسيله من وسائل التمويه والخداع الا واتبعتها ،لتنفيذ

مشروعها الاستعمارى والاستيطانى فى فلسطين، وهى لم تترك ثوبا من اثواب الصباغ والتلون الا وارتدته، فكانت الصهيونيه العامه (اوالعموميه) ذات المنهج اللبرالى لجذب اللبراليين والرأسماليين اليهود،والصهيونيه الدينيه التى ارتدت اثواب الدين اليهودى،لتحتوى الاوساط الدينيه اليهوديه المعارضه للصهيونيه، والصهيونيه العماليه التى رفعت اليافطات الزائفه للحركه العماليه والاشتراكيه،لتجذب جماهير اليهود الفقراء،فى اوربا الشرقيه على وجه الخصوص،التى كانت تمور بالافكار العماليه الثوريه، وتعيش فى اواخر القرن العشرين ، مخاض تفجر ثورة اكتوبر الاشتراكيه فى روسيا، والتى كانت حدثا بارزا فى تاريخ العالم فى ذلك الحين ، وليكون هؤلاء العمال والفقراء اليهود القادمين من روسيا،وبولندا، الوقود والماده الخام الاولى ، لتنفيذ مشروعها الاستعمارى والاستيطانى فى فلسطين،الهادف لبناء ركيزه وقاعده لسيطره المراكز الاستعماريه الكبرى فى العالم.

واذا كانت التنظيمات السياسيه والنقابيه فى البلدان الطبيعيه، تولد من رحم الركات الاجتماعيه والسياسيه،فى اطار نمو وتطور مجتمعات تلك البلدان، للدفاع عن مصالح الطبقات والفئات التى تمثلها، فأن التنظيمات السياسيه والنقابيه الصهيونيه، هى التى اخذت على عاتقها خلق وبناء،المجتمع والكيان الاستيطانى الصهيونى فى فلسطين. ذلك ان وجود هذه التنظيمات قد سبق وجود المجتمع والكيان الصهيونى نفسه،وقد لعبت الاحزاب العماليه الصهيونيه التى ولدت خارج الارض الفلسطينيه، والهستدروت اقوى قلاع الصهيونيه العماليه ، وزراعها الاساسى الضارب من اجل تنفيذ المشروع الاستيطانى الصهيونى فى فلسطين، والاسم يختصر المصطلح العبرى (الهستدروت هاغوفيديم)اى الاتحاد العام للعمال اليهود فى ارض اسرائيل.

ولما كانت جماهير اليهود فى أوربا الشرقيه،هم من تطلع اليهم قاده الحركه الصهيونيه والدوائر الاستعماريه التى تقف ورائهم، لتكون الماده الخام واللبنه الاولى، فى اقامه المشروع الصهيونى، وتنفيذا لتعاليم تيودورهرتسل القائله بضروره تهجير اليهود  الفقراء اولا للقيام بالاعمال البدنيه الشاقه،ثم تهجير اليهود الاكثر ثراء الى فلسطين، وكانت هذه الجماهير تعيش وسط انتشار الافكار العماليه والثوريه فى روسيا وشرق اوروبا، التى تتحدث عن الاشتراكيه والمساواة والعداله الاجتماعيه ، كان لا بد من احزاب صهيونيه عماليه يهوديه، ترتدى الاثواب الاشتراكيه والعماليه ، وتخفى المضمون الاستعمارى العنصرى للحركه الصهيونيه، وتنطلق من خصوصيه مزعومه(للشعب اليهودى) ومن ضروره اقامه وطن خاص لليهود فى فلسطين، يبنون فيه دولتهم الاشتراكيه المزعومه حسب منظرهم بيير بور خوف، فكان حزب بوعالى تيسون (عمال صهيون) الذى ولد فى مينسك فى روسيا عام 1897، الذى انشأ له فيما بعد فروعا فى اوروبا وامريكا، ونقل نشاطه الى فلسطين فى عام 1906، من خلال مهاجرين يهود روس فى هوجه الهجره الثانيه، وبأ نشاطه عام 1907 تحت زعامه يتسحاق بن فى،من خلال محاولات التركيز على الافكار العماليه،وتنظيم نقابات ونظم اضرابات، لم تكن ناجحه فى ظروف فلسطين، تحت الحكم العثمانى فى ذلك الحين ، وقام عام 1910 بأصدار جريدته هأحدوت (الوحده). وفى تلك الفتره فضل هذا الحزب، العمل من خلال تنظيمات مهنيه للعمال الزراعيين، وامستوطنات الزراعيه تحت اشراف المنظمه الصهيونيه، ومن خلال صندوق عمال فلسطين (بدأ فى العمل عام 1909) ومكتب العمال الذى فتح كمركز استعلامات للاستخدام (فتح عام 1911) وفى الوقت نفسه كان هذا الحزب ، يشرف على منظمه الدفاع الذاتى اليهودى (الهاشومير) (حراس المستوطنات).

وهذا الحزب حاول قبل الحرب العالميه الاولى الانضمام الى الاشتراكيه الدوليه، لكنه لم يقبل الا خلال فترة الحرب، وهو نصب نفسه مدافعا عن المصالح اليهوديه، وتقدم بهذه المطالب الى مؤتمر السلام الذى عقد فى باريس عام 1919، وقام فى هذا العام تحت قيادة دافيد بن غوريون ويتسحاق ب

ن زفى بتشكيل حزب احدوت هعفودا (الاتحاد الاشتراكى الصهيونى للعمل) من بو عالى تيسون فلسطين والعمال غير الحزبيين، وهو الحزب الذى اتحد عام 1930 ، مع حزب هبوعيل هتسعيرـ العامل الفتى (وهوحزب تشكل من مهاجرى الهجره من جماعه احباء صهيون القادمون من روسيا عام 1905 فى بتاح تكفا ويضم العمال الزراعيين على وجه الخصوص ويشدد على مقوله العمل العبرى) ليكون حزب المبادى بقيادة دافيد بن غوريون عام 1930 هذا الحزب الذى كان له الباع الاطول فى تنفيذ المشروع الصهيونى ، واقامه الكيان الصهيونى فيما بعد عام 1948.

وكانت قد تشكلت مع ازدياد قدوم اعداد من العمال اليهود الى المستوطنات اليهوديه فى فلسطين، فى موجه الهجره اليهوديه الثانيه (1904ـ1914 ) التى سبقت الاشاره اليها،منظمات عماليه اقليميه للعمال اليهود فى فلسطين أبرزها: لجنه عمال الجليل، اتحاد عمال يهودا،اتحاد عمال السامره،وفى عام 1914 جرت اول محاوله لتشكيل اتحاد عام للعمال اليهود فى فلسطين، عبر اقامه اللجنه المتحده لعمال فلسطين، لكنها كانت قصيره العمر، بسبب معارضه الحزبين السياسيين العماليين اليهوديين الرئيسيين فى فلسطين: بوعالى تسيون( عمال صهيون) وهبوعيل هتسعير (العامل الفتى) اللذين حافظى على منظماتهما العماليه وخدماتهما، فيما ضم احدوت هعفودا( اتحاد العمل) الذى تشكل عام 1919 ـ كما سبق وأشرنا ـ غالبيه القوى اليهوديه العامله فى فلسطين.

يمكن القول -حسب الدراسة-  ان ما يصورعلى ان الهستدروت اتحاد نقابى مكرس للدفاع عن مصالح العمال ورعايه حقوقهم وتلبيه مطالبهم، لا يعبر عن الواقع ،فعلى الرغم من تركيز قيادة الهستدروت على مسأله الاجور وظروف العمل ، وتمثيل العمال فى نزاعات العمل ، الا انها تلعب من الناحيه الفعليه دور عنصر التوازن الوسيط ـ بين مطالب العمال ومصالحهم من جانب، وبين مصالح الادارات واصحاب العمل الذين يتبعون اليهم من جانب اخر. بل ان مسؤولى الهستدروت يقفون فى غالب الحالات الى جانب اصحاب العمل ، بحجه المحافظه على مصالح الدوله، ومراعاة الخطه الاقتصاديه للحكومه، ويلجأ هؤلاء السؤولون احيانا الى رفض مطالب العمال برفع الاجور ويقفون ضدها بصوره علنيه، وهم يقولون اذا لم يكن هناك احساس بالمسؤليه، وتجاوزت المطالبه برفع الاجور الحدود المعقولهبالنسبه لمصلحه الاقتصاد ككل، فأننا نضطر الى اتخاذ الاجراءات الضروريه، فالاجور هنا هى الدائرة  التى يكمن فيها الخطر على استقرار الاقتصاد.

وهذا الوضع الذى يقوم فيه الهستدروت باحتواء النطالبات والتحركات العمليه، والسيطره عليها بحيث لا تخرج عن اطار مصالح الاقتصاد والدوله الصهيونيه، جرى تكريسه عبر سن قانون فى عام 1971 ، يفرض احتكار الهستدروت لتمثيل العمال فى الكيان الصهيونى ، سمى قانون حول علاقات العمل ، والذى اضفى على الهستدروت صفه الممثل الشرعى فى اسرائيل . وقد نص القانون على ان كل اضراب لا توافق عليه الهستدروت يعتبر اضرابا غير شرعى ، وطبقا لهذا القانون فأن الهستدروت التى لا تصادق عمليا على غالبيه الاضرابات فى الكيان الصهيونى تجعل تلك الاضرابات خارجه عن القانون ، اى ان كل من يخرج عن اراده الهستدروت يتعرض للقمع والاجراءات التعسفيه من قبل السلطه، ويتعرض لعقوبات مختلفه من قبل الهستدروت ايضا.

فالمضربين عن العمل دون موافقه الهستدروت لا يستطيعون على سبيل المثال، الاستفاده من صناديق الاضراب التى يمولونها عن طريق دفع الاشتراكات وهى فى العاده لا توافق الا بشكل نسبى على الاضرابات التى تتعلق بتحسين الاجور، لمواجهه الغلاء والتضخم النقدى، وهى لا تحقق الا جزء يسير من مطالب العمال. وهكذا لا يقوم الهستدروت باحتواء مطالب العمال وضبطهم وتدجينهم فقط، بل ويشارك فى قمعهم ايضا.

وهذا النهج متأصل فى سلوك قياده الهستدروت منذ بدايات وجوده، على الرغم من الادعاءات الزائفه، والتبجح والمبالغه فى الحديث عن دفاع الهستدروت عن مصالح العمال وكما يقول ناتان وينستوك من صهاينه الرعيل الاول البارزين: ان موقف الهستدروت من العمال يتلخص فى انه يسعى بكل طاقته على ارغام العمال على الانضباط. وهو يبين ان العمال الذين يشتركون فى الاضرابات بدون موافقه الهستدروتيواجهون مشاكل كبيره جدا، مثل حرمانهم من مخصصات الصناديق الماليه الخاصه بالاضرابات، ان هؤلاء المضربين يتعرضون الى فصلهم من العمل اذا كانوا يعملون فو مؤسسات الهستدروت.

وقد برزت فى المشروعات المملوكه للدوله وللهستدروت مشكله التوفيق او المواءمه، بين دور الهستدروت كرب عمل ومدير للمشاريع، ودوره كمدافع عن مصالح وحقوق العمال فى هذه المشاريع، وقد كان الهستدروت بسبب وضعه المهيمن وتركيز السلطه الواسع فى يد قيادتها،والضعف النسبى لاصحاب العمل الاخرين، فانها هى من يحددسياسه الاجور وشروط التوظيف من الناحيه الواقعيه على المستوى الشامل فى الكيان الصهيونى. وقد كان يجرى تسويغ ذلك من خلال القول: ان الهستدروت تلأخذ فى الاعتبار مصلحه الدوله ومصلحه العامل فى ان معا ولهذا فهى تضع الاجور التى تتناسب مع متطلبات الدوله وبموافقه الحكومه.

ومن هنا فأن الهستدروت فى اساسه النقابى المهنى ليس منظمه نقابيه خالصه، يمارس ديمقراطيه حقيقيه فى عمله وانما هو جهاز ادارى صهيونى يعمل على ضبط واخضاع الطبقه العامله فى الكيان الصهيونى لاهداف واغايات القياده السيلسيه فى هذا الكيان وهو يتعارض من اجل ذلك مع الحكومه ومسؤولى القطاع العام، من اجل تحقيق هذه الغايات مستخدما شعار مصلحه الدوله والاقتصاد،لمواجه المطالب والاحتياجات المتنوعه لمنتسبى الهستدروت فى الوقت الذى يجد فيه هؤلاء المنتسبين انفسهم مرغمين فى اكثر الاحيان على قبول هذا الواقع والتكيف معه خاصه انهم يعشون حياتهم كلها تحت سيطره الهستدروت وكأنه قدرهم ، اذ انهم يسكنون فى بيوت اقامها الهستدروت ويستخدمون سيارته فى الذهاب الى عملهم التابع له،ويتلقون العلاج فى مشافيه وعياداته ويقضون عطلاطهم واوقات فراغهم فى المرافق التى يملكها.

وبهذا الوضع فالهستدروت مختلف عن الاتحادات النقابيه الاخرى  حتى فى العالم الغربى حيث دور الاتحادات العماليه والنقابيه تخفيف اثار الضغوط والتحديات التى تواجه العمال من قبل النظام الرأسمالى وهى تأتى كرد فعل على مظالم هذا النظام وكأحتجاجا عليه فيما يشكل الهستدروت منذ نشأته جمله من العناصر المتناقضه فهو اتحاد عمال ورب عمل ومدير عمل ومشرف على التعاونيات... وهذا التناقض كان يتزايد مع نمو وتطور الاقتصاد الصهيونى فى سياسته تجاه العمال والحكومه والقطاع الخاص بحيث تكشف ان هذا الدور لا يعدوا كونه اداه اخضاع للعمال لسيطره الحكومه والرأسمال الصهيونى وقوة للتبعيه للرأسمال المحلى والاجنبى وقيادته تقول: ان الحاجه لاستخدام رأس المال اكثر من الحاجه للصراع ضده.